ابن عطية الأندلسي
333
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
واختلف المفسرون في كيفية إتيان التَّابُوتُ وكيف كان بدء أمره ، فقال وهب بن منبه : كان التابوت عند بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت ، وصار التابوت عند القوم الذين غلبوا ، فوضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام ، فكانت الأصنام تصبح منكسة ، فجعلوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم ، وقيل : جعل في مخراة قوم فكانوا يصيبهم الناسور ، فلما عظم بلاؤهم كيف كان ، قالوا : ما هذا إلا لهذا التابوت فلنرده إلى بلاد بني إسرائيل ، فأخذوا عجلة فجعلوا التابوت عليها وربطوها ببقرتين فأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل ، فبعث اللّه ملائكة تسوق البقرتين حتى دخلتا به على بني إسرائيل ، وهم في أمر طالوت ، فأيقنوا بالنصر . وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية . وقال قتادة والربيع : بل كان هذا التابوت مما تركه موسى عند يوشع بن نون ، فجعله يوشع في البرية ، ومرت عليه الدهور حتى جاء وقت طالوت . وكان أمر التابوت مشهورا عندهم في تركة موسى ، فجعل اللّه الإتيان به آية لملك طالوت ، وبعث اللّه ملائكة حملته إلى بني إسرائيل ، فيروى أنهم رأوا التابوت في الهواء يأتي حتى نزل بينهم ، وروي أن الملائكة جاءت به تحمله حتى جعلته في دار طالوت ، فاستوسقت بنو إسرائيل عند ذلك على طالوت ، وقال وهب بن منبه : كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين ، وقرأ زيد بن ثابت « التابوه » ، وهي لغته ، والناس على قراءته بالتاء . قال القاضي أبو محمد : وكثر الرواة في قصص التابوت وصورة حمله بما لم أر لإثباته وجها للين إسناده . قوله عزّ وجل : فِيهِ سَكِينَةٌ . . . قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : السكينة ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان ، وروي عنه أنه قال : هي ريح خجوج ولها رأسان ، وقال مجاهد : السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان وذنب ، وقال : أقبلت السكينة والصرد وجبريل مع إبراهيم من الشام . وقال وهب بن منبه عن بعض علماء بني إسرائيل : السكينة رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ الهر أيقنوا بالنصر . وقال ابن عباس : السكينة طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ، وقاله السدي . وقال وهب بن منبه : السكينة روح من اللّه يتكلم إذا اختلفوا في شيء أخبرهم ببيان ما يريدون . وقال عطاء بن أبي رباح : السكينة ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها . وقال الربيع بن أنس : سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي رحمة من ربكم ، وقال قتادة : سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي وقار لكم من ربكم . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم ، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى ، فالمعهود أن اللّه ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده ، والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون ، كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة .